حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

606

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

قال إن العفو هو الزيادة ، فهو أن الغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله . وحاصل الأمر يرجع إلى التوسط في الإنفاق والنهي عن التبذير والتقتير . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف » « 1 » وللعلماء في هذا الإنفاق خلاف . فعن أبي مسلم : أنه يجوز أن يكون العفو هو الزكوات ، ذكرها هاهنا مجملة وتفصيلها في السنة ، وقيل : إنه تطوع ولو كان مفروضا لبين مقداره ولم يفوّض إلى رأي المكلف . وقيل : إن هذا كان قبل نزول آية الصدقات ، وكانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم وينفقون ما فضل ثم نسخ بالزكاة . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي كما بين لكم وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا يبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون إليه . لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فتأخذون بما هو أصلح لكم من سلوك سبيل العدالة للإنفاق وغيره ، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع . ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما أي لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا الأدنى على الأعلى . ويجوز أن يتعلق ب « يبين » أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون . الحكم الخامس : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [ النساء : 10 ] عزلوا أموالهم عن أموالهم فنزلت . وعنه عن ابن عباس قال : لما أنزل اللّه تعالى وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الأنعام : 152 ] وقوله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ [ النساء : 10 ] نطلق من كان عنده مال اليتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، وجعل يحبس له ما يفضل من طعامه حتى يأكله أو يفسد ، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت . قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وهو كلام جامع لمصالح اليتيم والولي . أما لليتيم فلأنه يتضمن صلاح نفسه بالتقويم والتأديب ، وصلاح ماله بالتبقية والتثمير لئلا تأكله النفقة عليه والزكاة منه . وأما الولي فلأن إحراز الثواب خير له من التحرز عن مال اليتيم حتى تختل مصالحه وتفسد معيشته ، وقيل : الخبر عائد إلى الولي يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجرا ، وقيل : عائد إلى اليتيم أي مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن أمورهم ، والأصوب هو القول الأول ، فإن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة فينبغي أن يكون نظر المتكفل لأمور اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا والآخرة

--> ( 1 ) رواه الدارمي في كتاب الزكاة باب 21 . بلفظ « خير الصدقة ما تصدق به عن ظهر غنى » .